الراغب الأصفهاني
241
الذريعة إلى مكارم الشريعة
لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « 1 » أي لمن له بنفسه علم يستغني به ، أو تذلل لاستماع العلم واقتباسه ممن عنده العلم . وقال بعض العلماء في قوله عليه السّلام : « اليد العليا خير من اليد السفلى » « 2 » إشارة إلى فضل العلم على المتعلم ، وفي تبين فضل المعلم حث للمتعلم على الانقياد له . وكما أن من حق المريض أن يكل إلى الطبيب الناصح الذي وقف على دائه ليطلب الطبيب دواءه وغذاءه ، فإنه إن اشتهى لم يشته إلا ما فيه داؤه ولم يجتو إلا ما فيه شفاؤه : فمن يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا كذلك من حق المتعلم إذا وجد ناصحا أن يأتمر له ولا يتأمر عليه ولا يراده فيما ليس بصدد تعلمه ، وكفى على ذلك تنبيها ما حكى اللّه تعالى عن العبد الصالح أنه قال لموسى عليه السّلام حيث قال له : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً « 3 » قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً « 4 » فنهاه عن مراجعته وليس ذلك نهيا عما حث اللّه تعالى عليه بقوله فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 5 » وإنما هو نهي عن نوع من العلم الذي لم تبلغه منزلته بعد ، والحث إنما هو على سؤال عن تفاصيل ما خفي عليه من النوع الذي هو بصدد
--> ( 1 ) ق / 37 . ( 2 ) جزء من حديث رواه البخاري في كتاب الزكاة / 24 / حديث / 1427 ، 1429 ، وفتح الباري / 3 / 14 . ( 3 ) الكهف / 66 . ( 4 ) الكهف / 70 . والآية بها خطأ طباعي في ط وننبه إليه للأهمية . ( 5 ) النحل / 43 .